البحث العلمي في الوطن العربي: الواقع والتحديات وآفاق المستقبل

السبت، 13 جمادى الآخرة، 1430 هـ

البحث العلمي في الوطن العربي: الواقع والتحديات وآفاق المستقبل
تجاوز الأزمة يفرض العمل وفق خطة تنموية شاملة

لم يعد البحث العلمي ترفاً أكاديمياً تمارسه مجموعة من العلماء بمعزل عن الشؤون العامة، بل بات يُعتبر من المؤشرات الأساسية لقياس تطوّر الدول. فازدهار الأبحاث العلمية في بلدٍ ما يؤدي إلى تحريك العجلة الاقتصادية والتربوية، ممّا يحمل بدوره الاستقرار والرفاهية إلى المجتمع. وعلى الرغم من الجهود المبذولة والحماس الظاهر الذي تبديه الدول العربية لتعزيز البحث العلمي والتنمية التكنولوجية، لا يزال الوطن العربي بحاجة إلى قطع أشواط كبيرة للنهوض بواقعه في هذا الإطار.

وقبل أن نستعرض المشاكل التي يواجهها البحث العلمي في وطننا العربي ونبحث عن حلول لها، فلننظر، بالأرقام، إلى واقع البحث العلمي في الدول العربية، من حيث عددمراكز الأبحاث والباحثين وإنتاجيتهم. بحسب الدراسة التي أجراها طه تايه النعيمي تحت عنوان "المؤسسات العلمية في الوطن العربي ودورها في نشاط البحث العلمي" (ورقة مقدمة في ندوة البحث العلمي في العالم العربي وآفاق الألفية الثالثة: علوم وتكنولوجيا، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، 2000) يبلغ عدد مراكز الأبحاث خارج الجامعات في البلدان العربية 280 مركزاً تتوزّع على البلدان العربية كما يظهر في الجدول 1.



الجدول 1: عدد مراكر البحث العلمي (خارج الجامعات) في البلدان العربية (المصدر: طه النعيمي "المؤسسات العلمية في الوطن العربي ودورها في نشاط البحث العلمي" 2000)

ويتخصّص العدد الأكبر من هذه المراكز في مجال الزراعة والموارد المائية والصحة والتغذية والبيئة، أما المراكز المتخصصة في التقانات الحيوية أو الإلكترونيات، فلا تتجاوز نسبتها 3% من جملة هذه المراكز (الجدول 2).



الجدول 2: عدد مراكز الأبحاث العلمية والتقانية (خارج الجامعات) في الأقطار العربية حسب مجالات التخصص وعدد الأقطار العربية الموجودة فيها (المصدر: طه تايه النعيمي " المؤسسات العلمية في الوطن العربي ودورها في نشاط البحث العلمي"، 2000)

ويشير تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 إلى أن العدد الإجمالي للباحثين المتفرغين في البلدان العربية يبلغ حوالى 35000، أي 3.3 باحث (من مستوى الدكتوراه والماجستير) لكل 10000 فرد من القوى العاملة. ويبلغ عدد المهندسين والعلماء العاملين في مجال البحث والتطوير 400 باحث لكل مليون من السكان في العالم العربي، مقارنة مع 4000 باحث لكل مليون من السكان في أميركا الشمالية، (الجدول 3).
وفي ما يتعلّق بإنتاجية الباحثين، تشير أرقام اليونيسكو إلى أن إنتاجية عشرة باحثين عرب في المتوسط توازي إنتاجية باحث واحد في المتوسط الدولي.‏ كما أظهرت دراسة نشرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع الصندوق العربي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في العام 2003، أن الدول العربية لم تحصل بين العامين 1980 و2000 إلا على 370 براءة اختراع صناعي، مقابل 16000 براءة اختراع صناعي حصلت عليها كوريا الجنوبية خلال الفترة نفسها. وعلى صعيد المساهمة المادية، يشير تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 إلى أن ما تنفقه الدول العربية على البحث العلمي لا يتجاوز 0.2% من الناتج القومي، في حين تنفق البلدان المتقدمة ما بين 2.5% و5% على هذا المجال. لكن هذا الواقع، رغم قتامته، لا يجب أن يصيبنا بالتشاؤم، بل ينبغي أن يحفزّنا على العمل الجادّ لتجاوز أزمتنا، من خلال حصر معوقات البحث العلمي في العالم العربي، وهي تظهر على الصعد المادية والبشرية والتكنولوجية والتربوية والمعرفية، وذلك بغية إيجاد الحلول لها.تشير الاتفاقات الدولية المتعلّقة بالإنفاق على البحث العلمي إلى أن نسبة الإنفاق على البحث العلمي يجب أن تبلغ على الأقل 1% من الناتج المحلي الإجمالي في بلد ما لتحقّق أثراً ذا شأن في قطاعات المجتمع المختلفة. لكن الميزانيات العربية المخصصة للبحث العلمي تُعدّ ضئيلة. فبحسب إحصاءات اليونيسكو للعام 1999، بلغ حجم الإنفاق على البحث العلمي في مصر 0.4% من إجمالي الناتج القومي، وفي الأردن 0.3% وفي المغرب 0.2% وفي كل من سوريا ولبنان والسعودية وتونس 0.1%. ومع أن بعض الخبراء يصل بهذه النسبة إلى 0.7% في بعض الدول العربية، إلا أنها تبقى ضئيلة إذا ما قورنت بالميزانيات العالمية. ويظهر الباحث صبحي القاسم، في دراسة أجراها تحت عنوان "نظم البحث والتطوير في البلدان العربية: واقعها والالتزامات الجديدة لتقويمها" (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) ومكتب اليونسكو، القاهرة، 1999)، معدّلات الإنفاق على البحث العلمي في عدد من دول العالم بين عامي 1990 و1995. وبحسب هذه الدراسة، تنفق الولايات المتحدة واليابان والسويد نسبة 3.1% من دخلها القومي الإجمالي على البحث العلمي، وتبلغ هذه النسبة 2.4% في ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا وأستراليا وكندا، و0.7% في اليونان والبرتغال واسبانيا، و0.4% في تركيا والمكسيك. أما في الدول العربية، فلا تتجاوز نسبة الإنفاق على البحث العلمي 0.2% من الدخل القومي الإجمالي (الجدول 4). لكن الخطورة لا تكمن فقط في تدنّي نسبة الإنفاق على الأبحاث، بل في تذبذبها خلال السنوات، وفي كون البحث العلمي يُعتبر من أولى القطاعات التي تتأثر في حال مرّ البلد بأزمة مالية أو سياسية. فمعظم مراكز الأبحاث العربية مدعومة من القطاعات الحكومية في الدول، وهي بالتالي عرضة للكثير من المتغيرات. وفي الواقع، إن قلّة إسهام القطاع الخاص في تمويل البحث العلمي يضعف هذا القطاع، ويحرمه من استقرار هو في أمسّ الحاجة إليه. فبحسب دراسة الباحث صبحي القاسم، تساهم المصادر الحكومية بنسبة 89% من الإنفاق على البحث العلمي في العالم العربي، وتساهم القطاعات الإنتاجية بنحو 3% فقط، بينما تزيد هذه النسبة في الدول المتقدمة عن 50% (الجدول 4). وتدلّ هذه النسب على أن المردود المادي الذي توفّره التطبيقات العملية للأبحاث العلمية يحفّز الجهات الخاصة على الاستثمار في هذا القطاع، ممّا يولّد ديناميكية تمويل مستدامة تحوّل نشاطات البحث العلمي من نفقة تحتاج إلى تمويل، إلى استثمار مربح يدفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.


الجدول 4: معدّل الإنفاق كنسبة من الدخل القومي الإجمالي، ومصادر تمويل البحث والتطوير في عدد من دول العالم، 1990-1995 (المصدر: صبحي القاسم "نظم البحث والتطوير في الدول العربية"، 1999)

ونظراً لضعف الإمكانات المادية المرصودة للأبحاث العلمية، نجد أن معظم مراكز الأبحاث والمختبرات الجامعية تفتقر إلى التجهيزات التقنية الحديثة التي تُعدّ من الوسائل الأساسية لإجراء الأبحاث العلمية.
وإلى جانب المعوقات المادية والتقنية، تتجسّد المشكلة الأبرز التي يعاني منها البحث العلمي في الوطن العربي في قلّة الموارد البشرية العاملة في هذا المجال، إذ تقلّ نسبة الملتحقين بفروع العلوم في التعليم العالي في البلدان العربية، ولا سيما مقارنة مع بلدان تشهد نهضة كبيرة في ميدان المعرفة مثل كوريا، على الرغم من تميّز الأردن وتليها الجزائر في هذا المضمار (الجدول 5).


وما يزيد من قلّة الموارد البشرية العاملة في ميدان البحث العلمي، هجرة الكفاءات العلمية إلى خارج الوطن العربي. فعلى الرغم من حاجة الدول العربية الماسّة لكل كفاءاتها العلمية للنهوض بواقعها وردم الفجوة التقنية التي تفصلها عن الدول المتقدمة، يهاجر الكثير من الباحثين وأصحاب الشهادات العليا إلى الدول الصناعية، وذلك لأسباب عدة نذكر منها عدم توفّر الإمكانات المادية والتقنية اللازمة للبحث العلمي في الوطن العربي، والإغراءات المادية التي تقدّمها لهم الدول الغربية.
كما أن هيكلية مراكز الأبحاث العربية نفسها تعاني مشاكل عدة على رأسها البيروقراطية وسوء التنظيم. فهي تكتظ بعمّال وإداريين يشكّلون عبئاً على ميزانيتها، وبالتالي تعجز عن استقطاب العدد الكافي من الباحثين ذوي الكفاءة. والأمر نفسه ينطبق على مؤسسات التعليم العالي التي يُفترض أن يساهم أساتذتها مساهمة فعّالة في إجراء الأبحاث. لكن العبء التدريسي الذي يقع على الأستاذ الجامعي يستنفذ طاقته الإنتاجية، ولا يترك له الوقت الكافي لإجراء الأبحاث. فضلاً عن ذلك، يلعب العامل الاقتصادي دوره في ظل أعباء الحياة المتزايدة، حيث يدفع بالأستاذ الجامعي إلى التعاقد مع جامعات أخرى أو العمل كمستشار في إحدى الشركات بدل القيام بالأبحاث. وفي حين تمنح معظم الجامعات العربية الحكومية الأستاذ دورياً فرصة التفرّغ لإجراء الأبحاث لمدة سنة بعيداً عن الأعباء التعليمية، فإن الكثير من الأساتذة يفضّلون استغلال هذه السنة في التعاقد مع الجامعات الخاصة في بلدانهم أو في بلدان أخرى، وذلك بغية تحسين ظروفهم المعيشية.
ولا يمكننا في إطار الحديث عن مشاكل البحث العلمي في العالم العربي، أن نغفل تأثير مستوى التعليم في المراحل الإعدادية والثانوية، ولا سيما في ما يتعلق بالمواد العلمية. فالطالب يتلقّى المبادئ العلمية الأساسية في المدرسة، وفيها قد يكتسب الفضول العلمي وحبّ المعرفة، مما يهيّؤه لاحقاً للعمل في مجال الأبحاث. كما أن التطبيقات والتجارب العلمية العملية التي يجريها الطالب في المختبر تعلّمه الأسس العملية لإجراء الأبحاث، ومن هنا أهمية التجهيزات التقنية في المدارس. لكن الكثير من المدارس العربية تفتقر إلى الإمكانات التقنية اللازمة، مما يقلل من فرص تخريجها لطلاب يحبّون البحث العلمي. بالإضافة إلى ذلك، تلعب طريقة تدريس العلوم دوراً أساسياً في هذا الإطار. فالأساليب التربوية الحديثة تبتعد عن طرق التلقين المباشر وتقوم على جعل الطالب يكتشف المعلومة بنفسه من خلال التفكير والتجربة، الأمر الذي يجعل البحث العلمي جزءاً لا يتجزأ من العملية التعليمية اليومية. لكن مدارس عربية عديدة لا تزال تعتمد طريقة التلقين المباشر، على الرغم من التحسينات التي أدخلتها على مناهجها، وذلك بسبب عدم تدريب الأساتذة على الطرق التعليمية الحديثة. ويقول د. وجيه عويس، رئيس الجامعة الأردنية للعلوم والتكنولوجيا، وأحد أهم علماء الوراثة في العالم العربي: "لقد فشلنا نوعاً ما في التواصل مع عقول التلاميذ وتشجيعهم على التعامل مع المعلومات بشكل فعّال. فالتلاميذ يحفظون كل كلمة في كتب العلوم، ومن يحصل منهم على أعلى العلامات يلتحق بأصعب الاختصاصات في الجامعة."
ولا تقتصر معوقات البحث العلمي في العالم العربي على التمويل والمؤسسات البحثية والتربوية، بل تتجاوزها لتشمل مصادر المعرفة والمعلومات، وهي قليلة في العالم العربي مقارنة مع باقي الدول. ففي حين يمكننا حصر عدد العناوين الموجودة في أكبر المكتبات الجامعية العربية بالآلاف، فإن مكتبة جامعة هارفرد الأميركية تضم أكثر من 19 مليون عنوان. وبحسب الدراسة التي أجراها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع الصندوق العربي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في العام 2004، فإن عدد الكتب التي تمّت ترجمتها إلى اللغة العربية خلال الألفية الماضية لا تتجاوز العشرة آلاف كتاب، وهو نفس عدد الكتب التي تُترجم إلى الإسبانية سنوياً.
وهذه المشاكل المتشعّبة التي تعيق الأبحاث العلمية في العالم العربي تفرض علينا العمل ضمن خطة تنموية شاملة تطاول كافة الصعد وتقوم على وضع البحث العلمي على رأس أولويات الدول لما له من تأثير يطاول كافة القطاعات.
فعلى الصعيد المادي، على الدول أن تخصّص المزيد من الدعم للبحث العلمي، كما يجب تشجيع المؤسسات الأهلية والمستثمرين على دعم هذا القطاع الحيوي. وفي الواقع، يمكننا استشراف بارقة أمل في هذا الإطار، وذلك من خلال نماذج لمؤسسات بحثية أهلية أثبتت وجودها وجدارتها في العالم العربي، مثال على ذلك "مؤسسة الكويت للتقدم العلمي" التي أُنشئت في العام 1976، و"المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا" التي أنشئت في العام 2002 على يد نخبة من حوالى 300 عالم عربي في الشارقة (الإمارات العربية المتحدة).
كما يُعدّ التخلص من البيروقراطية في مراكز الأبحاث والجامعات من الخطوات الأساسية التي ينبغي اتباعها للنهوض بواقعنا العلمي في العالم العربي. إضافة إلى ذلك، يجدر بالمؤسسات البحثية والتعليمية القيام بعملية "إعادة هيكلة" واختيار أصحاب القرار والأساتذة والباحثين بناء على كفاءتهم ومؤهلاتهم، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى. ويقول د. صومة أبو جودة، مدير مركز تعليم العلوم والرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت، وهي من الجامعات التي أثبتت نجاحها في المنطقة العربية على المستوى التعليمي والبحثي، أن عنصر النجاح الأساسي في الجامعة هو أن "ترقية الأساتذة تتمّ بناء على الأبحاث التي يجرونها". وفي الإطار نفسه، يجب ألا ينسى رؤساء الجامعات وأصحاب القرار فيها أن وظيفة الأستاذ الجامعي لا تكمن فقط في التدريس، بل إن إجراء الأبحاث يُعدّ جزءاً أساسياً من عمله، ومن هنا ضرورة عدم إثقال جدول الأساتذة الجامعيين بالمحاضرات.
ومن ناحية أخرى، يجب على المؤسسات البحثية والتعليمية أن تفعّل دورها عبر التخطيط الذكي لنقل التطورات التقنية وتوطينها في العالم العربي، مما قد يمهّد لنهضة عربية، تجعل العرب ينتقلون من مرحلة نقل التقنية إلى تصديرها، ومن استهلاكها إلى إنتاجها. وتقع على عاتق هذه المؤسسات وغيرها من الجهات المعنية بالحركة العلمية، مسؤولية تفعيل حركة ترجمة الكتب والأبحاث العلمية إلى اللغة العربية، لما في ذلك من تعميم للمعلومات العلمية. وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية توحيد المصطلحات العلمية باللغة العربية.
ولعل الخطوة الأهم في تطوير البحث العلمي في الوطن العربي تكمن في تفعيل التعاون بين الدول العربية في هذا الإطار، وتحديد الأولويات والمسائل المشتركة التي يجب أن تُجرى حولها الأبحاث، والعمل عليها بشكل جماعي، الأمر الذي يوفّر الكثير من الوقت والجهد والمال على جميع المساهمين في البحوث، كما يوثّق الصلات العلمية والصناعية بين الدول. وتجدر الإشارة هنا إلى ضرورة تغليب المصلحة العليا للأمة العربية على المصالح المحلية الضيقة في إطار التعاون بين الدول، وإلى أهمية تفعيل دور المؤتمرات العلمية التي تُعقد على مستوى الوطن العربي.
وعلى الرغم من صعوبة التحديات التي تواجهها الأمة العربية، إلا أنها، بالعمل الدؤوب من مختلف القطاعات الحكومية والأهلية، وبالتعاون والتنسيق بين الدول والقطاعات، تستطيع النهوض بواقعها، واستعادة دورها الريادي في العالم. وهل يمكننا أن ننسى أن العرب كانوا على مدى ثمانية قرون، مركز الثقل العلمي في العالم؟ وأنهم هم الذين نقلوا علوم اليونان والفرس إلى الغرب؟ أوليس العلماء العرب الأوائل أمثال ابن سينا والرازي وجابر بن حيّان هم الذين وضعوا اللبنة الأساسية التي قامت عليها العلوم الحديثة؟

0 komentar:

إرسال تعليق

Comment here

  © Blogger template The Professional Template II by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP