الأمية في الوطن العربي: مشكلة لها حل

السبت، 13 جمادى الآخرة، 1430 هـ

الأمية في الوطن العربي: مشكلة لها حل


مدخل:
عندما دعتني المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الموقرة للمشاركة في هذا الملتقى العربي الرصين للتربية والتعليم، شُغلت أول ما شُغلت باختيار عنوان هذه الورقة إلا أنني استحسنت تأجيل ذلك الى حين الانتهاء من إعدادها في إطار العنوان المحدد للندوة (الأمية في الوطن العربي: الواقع والحلول) ـ وحالما فرغت من إعداد الورقة، أدركت يقيناً أن الأمية في الوطن العربي مشكلة لها حل، وليس ذلك من قبيل التفاؤل أو التمني، ولكن لأسباب موضوعية تكشفها الورقة إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب جهوداً جادة، تتمثل في الإرادة والتصميم، والدقة في التخطيط، والمثابرة على التنفيذ، وأحسب أن الوطن العربي وعلى الأخص في سعيه لمعايشة عصر المعرفة ليس لديه خيار آخر.
ولعل من المفيد الإشارة الى أن واقع الأمية في الوطن العربي ـ كما توضحه البيانات المعروضة لاحقاً ـ يوضح مدى فداحة المشكلة، ولذلك فإن من المنطقي أن تكون الحلول التي ينبغي أن تُواجَه بها المشكلة، حلولاً غير تقليدية، ذلك أن غالبية أقطار الوطن العربي إن لم تكن جميعها قد بذلت جهوداً كثيرة ومتنوعة للقضاء على آفة الأمية، إلا أن هذه الجهود كانت بوجه عام جهوداً نمطية، ولذلك فإن أقطاراً عربية كثيرة ما زالت تعاني من الأمية بنسب مختلفة، هي في مجملها غير مُرضية.
ولا أدعي ان الورقة تقدم برنامجاً تنفيذياً للقضاء على الأمية في الوطن العربي ـ فليس ذلك ممكناً في دراسة نظرية ـ ولكنها تثير مجموعة من الأفكار التي يمكن ـ في رأيي ـ أن تُترجَم إجرائياً في ضوء واقع الأمية، وكذا في ضوء ظروف كل قطر على حدة.
وفي هذا الصدد، ولثقتي في إطلاعكم على تجارب كثيرة في الوطن العربي وخارجه فلن أشغلكم باستعراض الجهود التي بذلتها اقطار الوطن العربي في سبيل محو الأمية سواء في إطار الاستراتيجية العربية لمحو الأمية أو خارج هذا الإطار، وسواء تحت مظلة الجهاز العربي لمحو الأمية سابقاً أو المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بوجه عام أو بدون هذه المظلة، حيث أرى أن نتجه مباشرة الى تحديد أبعاد المشكلة، ونفكر سوياً في التوصل الى حلول للتغلب عليها.

الأمية في الوطن العربي: خطورتها وأبعادها ومعوقات محوها

في الفترة من 10 ـ 12 ديسمبر 2003 ومنذ أكثر قليلاً من شهرين، نظمت الأمم المتحدة (القمة العالمية لمجتمع المعلومات) في جنيف، وقد جاء في أول بند من مشروع إعلان المبادىء الخاص بالمؤتمر (نحن ممثلي شعوب العالم، نعلن رغبتنا المشتركة والتزامنا المشترك في بناء مجتمع معلومات، غايته الناس كافة، ويتجه نحو التنمية، يستطيع كل فرد فيه استحداث المعلومات والمعارف والنفاذ اليها واستخدامها وتقاسمها، بحيث يُمكّن الأفراد والمجتمعات والشعوب من تسخير كامل إمكانياتها في النهوض بتنميتهم المستديمة، وفي تحسين مستوى معيشتهم، وذلك انطلاقاً من المبادىء المتجسدة في ميثاق الأمم المتحدة........).
وقبل ذلك بقليل، وفي نفس السياق، صدر التقرير الثاني للتنمية الإنسانية في الدول العربية، وكان محوره موضوع بناء المعرفة، لما للمعرفة من علاقة عضوية ودور محوري بالنسبة للتنمية الإنسانية.
وعلى الرغم من أن عوامل عديدة تحدد مدى قدرة أي مجتمع على بناء مجتمع المعرفة، الا أن مدى انتشار التعليم ومدى جودته النوعية يحتلان الأولوية في هذا المجال، ليس فقط من خلال تأثيرهما المباشر في تهيئة المناخ اللازم لنشر المعرفة وإنتاجها، بل وفي تأثيرها أيضاً في مختلف العوامل الضرورية المؤثرة في بناء هذا المجتمع.
ومن هنا تأتي الأهمية القصوى للتخلص من الأمية، كشرط أولى لتمكين الوطن العربي من عدم التخلف عن المعايشة الإيجابية الفاعلة مع عالم المعرفة، كما تخلف من قبل عن اللحاق بعوالم أخرى.
وحتى يمكن مناقشة الأفكار الضرورية للتخلص من الأمية، أو على الأقل الحد منها الى أقصى ما يمكن، فلا بد أولاً أن نحدد المشكلة بأن نتعرف على واقع الأمية وأبعادها في الوطن العربي، ومنهجياً سنستخدم مدخلين للتعرف على حجم الأمية في الوطن العربي ككل، وفي كل قطر على حدة:

ـ المدخل الأول: مدخل مقارن
ويتمثل في نظرة على أوضاع الأمية في العالم العربي بالمقارنة بالأمية في العالم ككل، ولم أر ضرورة في مقارنة المنطقة العربية بغيرها من الأقاليم أو المناطق، فليس المقصود هو المفاضلة بين الأقاليم، بل الكشف عن الواقع.

ـ أما المدخل الثاني: فمدخل تحليليويتمثل في دراسة تحليلية لأوضاع الأمية في أقطار الوطن العربي، ومرة ثانية فلن أقوم بالمفاضلة بين الأقطار فليس ذلك هدفنا، بل الكشف عن نتائج التحليل ومحاولة استقراء مدلولاتها.وستعمد الورقة في هذا الخصوص على تحليل جدولين، أولهما يبين نسبة الأمية وإعداد الأمين (15 سنة فأكثر) في العالم وفي الوطن العربي، أما الثاني فيبين نسبة الأمية وإعداد الأميين وأعداد السكان في بلدان الوطن العربي، والجدولان مستخرجان من البيانات المنشورة في موقع معهد اليونسكو (Unesco)(1) للإحصاء على شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت)، وبالرغم من أن البيانات المذكورة تتضمن إحصاءات وإسقاطات عن السنوات (1970، 1980، 1990، 1995، 2000، 2005، 2010، 2015) إلا أن الورقة ستكتفي بعرض ثلاثة أسطر فقط تعبر عن السنوات (1970، 2000، 2015) معتبرة أن في ذلك الكفاية لعرض واقع فعلي تمثله بيانات السنتين الأوليين (1970، 2000) وإسقاطات متوقعة في نهاية الخطط الوطنية للتعليم للجميع وتمثلها بيانات سنة 2015.وينبغي الإشارة الى ان البيانات الواردة في الجدولين لا تعبر بدقة عن الواقع الفعلي المؤكد سواء بالنسبة لنسبة الأمية أو أعداد الأميين أو حتى تعداد السكان، وسواء بالنسبة للبيانات أو الإسقاطات، فلدى مُعدّ الورقة إحصاءات موثقة من بعض البلدان العربية تختلف بنسب متفاوتة عن ما ورد بالجدولين ـ إلا أنه لضرورات الاستناد الى مصدر واحد، رأيت الاستهداء بها كمؤشرات، وأرى أنها تؤدي دورها في هذه الحدود.
المدخل الأول: الأمية في الوطن العربي والعالم

بقراءة الجدول رقم (1) نلحظ ما يلي:

أ ـ أن النسبة الفعلية للأمية في الوطن العربي مرتفعة جداً بالمقارنة بنسبتها في العالم ككل، كما يتضح من بيانات سنتي 1970، 2000 ـ وقد أعطى ذلك مبرراً لمُعدي البيانات ليحافظوا على هذه الفجوة في إسقاطات سنة 2015.
ب ـ أن النسبة الإجمالية للأمية في الوطن العربي في السنوات الثلاث تصل تقريباً الى ضعف النسبة الإجمالية للأمية في العالم سنة 1970 (72,2% في الوطن العربي ـ 36,6% في العالم)، سنة 2000 (39,9% ـ 20,3%)، سنة 2015 (28,3% ـ 15%).
ج ـ أن نسبة الأمية بين الإناث في الوطن العربي ما زالت مرتفعة جداً ـ بالمقارنة بنسبتها بين الذكور ـ رغم انخفاضها بشكل واضح عن سنة الأساس (1970) (85,5% سنة 1970 ـ 52,2% سنة 2000).
د ـ إن معدلات النجاح في محو الأمية في الوطن العربي خلال السنوات الثلاثين (1970 ـ 2000) تتكافأ تقريباً مع هذه المعدلات في العالم ككل، فقد انخفضت نسبة الأمية في الوطن العربي بين عامي 1970، 2000 بنسبة 43,9% بينما انخفضت في العالم بنسبة 44,5% ـ وتوضح الإسقاطات أن المتوقع أن تتباطأ مسيرة التخلص من الأمية في العالم وفي الوطن العربي خلال السنوات الخمس عشرة التالية (2000 ـ 2015)، حيث يتوقع أن تنخفض بنسبة 29% في الوطن العربي بينما تنخفض بنسبة 26% في العالم، وذلك على الرغم من أن الأوضاع الحالية تحتاج الى سرعة التحسن، ويصطدم هذا مع الهدف الذي حدده مؤتمر دكار والذي يتطلب انخفاضاً في نسبة الأمية يصل الى 50% في نفس الفترة 2000 ـ 2015.
هـ ـ أنه على الرغم من انخفاض نسبة الأمية في الوطن العربي إلا أن عدد الأميين يتزايد، حيث يسجل في السنوات المستهدفة (48 ـ 67 ـ 71) مليوناً، وذلك بسبب التزايد السكاني غير المنضبط (وهو مشكلة تؤثر وتتأثر بمشكلة الأمية) وتتزايد حدة المشكلة بين الإناث (29 ـ 43 ـ 46) مليوناً، بينما تشير البيانات المتوفرة عن العالم ككل الى انخفاض النسبة وانخفاض العدد أيضاً.

المدخل الثاني: الأمية في بلدان الوطن العربيبقراءة الجدول رقم (2) (ملحق) الخاص بنسبة الأمية وأعداد الأميين 15 سنة فأكثر وتعداد السكان في بلدان الوطن العربي، وبخاصة فيما يتعلق بمقارنة بيانات عام 2000 ببيانات عام 1970 ـ نلحظ ما يلي:أ ـ أن البلدان الأكثر سكاناً في الوطن العربي هي ذاتها التي ترتفع فيها نسبة الأمية ما عدا استثناءات محدودة ترتبت على ظروف خاصة لبلدين أو ثلاث بلاد. ب ـ أن البلدان العربية الخمس الأكثر سكاناً تضم 77,9% من العدد الكلي للأميين في الوطن العربي.ج ـ أن خمسة بلدان عربية فقط تقل فيها نسبة الأمية عن نسبتها في العالم بينما تزيد نسبة الأمية في سبعة بلدان عربية عن ضعف نسبتها في العالم.د ـ أن ارتفاع نسبة أمية الإناث ـ وفقاً لبيانات سنة 2000 ـ ما زال يشكل ظاهرة مفزعة في الوطن العربي، حيث تزيد نسبة أمية الإناث في 14 بلداً عربياً ـ من بين البلدان العشرين التي توفرت بياناتها زيادة كبيرة عن نسبتها في العالم ككل، وتزداد حدة المشكلة في ثلاثة بلدان تزيد فيها نسبة أمية الإناث عن 70%.هـ ـ أن 13 بلداً عربياً انخفضت فيها نسبة الأمية خلال الثلاثين سنة (1970 ـ 2000) بمعدلات أفضل من المعدلات العالمية، إلا أن بلداً واحداً منها يُصنف بين البلاد الأكثر سكاناً في الوطن العربي.و ـ أن بعض البلدان العربية حققت إنجازاً ملموساً في التخلص من الأمية خلال السنوات الثلاثين، حيث انخفضت نسبة الأمية أكثر من 50 في أحد عشر بلداً عربياً، ومنها ستة بلدان انخفضت فيه نسبة الأمية أكثر من 60%، ويشير ذلك إلى إمكانية التخلص من الأمية في مختلف بلدان الوطن العربي إذا توفرت الإرادة والإصرار والجدية، واتبع الأسلوب العلمي في مواجهة المشكلة.
معوقات محو الأمية
بالرغم من وضوح الرؤية، وإدراك خطورة الأمية، وتصدي معظم البلاد العربية لهذه المشكلة، إلا أن كثيراً من جهود محو الأمية التي بذلت خلال الأعوام الثلاثين الأخيرة من القرن الماضي لم تؤت ثمارها المرجوة، كما اتضح من العرض السابق، ويعود ذلك الى عديد من الأسباب المتداخلة لعل أهمها:
1 ـ عدم شعور الأميين بقيمة التعلم، ونقص الوعي ـ وأحياناً انعدام الوعي ـ بالعلاقة بين التعلم وبين التقدم والتنمية، استناداً الى الربط المباشر بين التعليم ومستوى الدخل، وما يكشفه أحياناً من عدم الاتساق.
2 ـ الانفصال بين الجمهور المستهدف وبين برامج محو الأمية، وعدم إدراك الجمهور غالباً لأهدافها ومحتواها ونظمها، أو عدم الاقتناع بجدواها.
3 ـ الفجوة بين الإرادة السياسية الوطنية الواضحة في كل البلاد العربية للتخلص من الأمية، وبين الاستراتيجيات والخطط، ثم الفجوة بين الخطط وبين التنفيذ، ثم شكلية او انعدام المتابعة والتقويم.
4 ـ عدم دقة البيانات اللازمة للتخطيط السليم، سواء من حيث المفردات الخاصة بالجمهور المستهدف (العدد ـ الفئات العمرية ـ الفئات الاجتماعية ـ الجنس ـ أماكن الإقامة....... الخ) أو من حيث الإمكانات المتوافرة والتي يمكن توفيرها، وبالذات الإمكانات البشرية (خبراء المناهج والمواد التعليمية ـ المشرفون ـ المعلمون.... الخ).
5 ـ غيبة التكامل الفعلي والتنسيق الحقيقي بين مختلف مؤسسات المجتمع الحكومية وغير الحكومية رغم النص على ذلك في كل البلدان تقريباً.
6 ـ غيبة الهيكل التنظيمي الكفء المحترف.
7 ـ انعدام التوازن بين وسائل تنفيذ برامج محو الأمية وعدم صياغة نماذج للنظم المتكاملة في مواقع تنفيذ البرامج على مختلف مستوياتها.
8 ـ عدم توافر العاملين المدربين وبالأخص المعلمين.
9 ـ المعالجة الخاطئة لدوافع الدارسيين.
10 ـ عدم ملاءمة برامج الدعوة والإعلام أو عدم كفاءتها.
11 ـ عدم كفاية التمويل.

جهود عربية لمحو الأمية
دعت ضخامة مشكلة الأمية وخطورتها البلاد العربية لمواجهتها من خلال التزام استراتيجيات متعددة، حتى يمكن القول إن بعض البلاد العربية قد استخدمت بالفعل الاستراتيجيات الثلاث المعروفة في هذا المجال وهي:
أ ـ استراتيجية الحملات الشاملة التي تعتمد على حشد الجهود والطاقات لمحو الأمية في أقصر وقت، والتي ارتبطت بصفة عامة بالمنهج التقليدي لمحو الأمية، الذي يقتصر غالباً على تقديم الحد الأدنى الضروري، من المعلومات والمهارات في القراءة والكتابة والحساب، ومن البلاد العربية التي استخدمت هذه الاستراتيجية على نحو ما: العراق والصومال في السبعينات، كما أن بلاداً أخرى كالجزائر والسودان نفذت أنشطة واسعة على نمط الحملات الشاملة، ومن أهم الانتقدات التي توجه الى هذه الاستراتيجية، أن عملية محو الأمية تكون قائمة بذاتها منفصلة عن مختلف جهود التنمية، وتكون برامجها نمطية موحدة مما لا يتفق مع اختلاف البيئات وتعدد فئات جمهور المستفيدين، كما تكون إدارة الحملة مركزية مما يعوق أو يؤخر اتخاذ الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب.
ب ـ استراتيجية الانتقاء والتركيز التي تهتم بانتقاء القطاعات ذات الأولوية في خطة التنمية، أو انتقاء الفئات ذات الأثر الأكبر في الإنتاج، وتركز على تدريب الأميين تدريباً عميقاً مكثفاً يمكنهم من اكتساب المعارف وفي نفس الوقت اكتساب المهارات المهنية، وارتبطت بالمنهج الوظيفي لمحو الأمية الذي يؤكد الربط بين التنمية ومحو الأمية، وبدأت التطبيقات الأولى لهذه الاستراتيجية في سياق البرنامج التجريبي العالمي لمحو الأمية، الذي تبنى مفهوم محو الأمية اعتباراً من 1967، ومن الدول العربية التي نفذت فيها مشروعات محو أمية انتقائية الجزائر والسودان وسوريا.
ومن أهم الانتقادات التي وجهت الى هذه الاستراتيجية، عدم جدوى الارتباط الضيق بين محو الأمية وتدريب مهني محدد، وعدم ديمقراطية المنهج الانتقائي، وصعوبة تطبيق الانتقائية بشكل دقيق.
ج ـ استراتيجية المواجهة الشاملة التي تهدف الى تحقيق الشمولية الكمية والنوعية في نفس الوقت، فهي تستفيد من حشد الجهود والطاقات الذي تتبناه الحملات الشاملة وكذلك تستفيد من المفهوم الموسع لمحو الأمية الوطيفي، وارتبطت بوجه عام بالمفهوم الحضاري لمحو الأمية الذي تبنته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والذي يستهدف تعليم الأميين الحياة الحديثة بحقوقها وواجباتها في مختلف المجالات، مما يحقق في نفس الوقت تحديث المجتمع بما يشتمل عليه من بنى وعلاقات اجتماعية.
وقد نظمت أنشطة محو الأمية في عديد من البلدان العربية وبالذات في عقد الثمانينات من القرن الماضي وفق هذه الاستراتيجية في إطار الاستراتيجية العربية لمحو الأمية.

مستخلصات
1 ـ تشكل الأمية تحدياً كبيراً أمام الوطن العربي يعرقل جهوده نحو تحقيق التنمية الشاملة، كما يحدد من قدرته على التعامل بكفاءة مع العالم في عصر المعرفة، حواراً وإنتاجاً ومنافسةً، كما يهدد محافظته على هويته في مواجهة تيارات العولمة.
2 ـ يبرز الارتفاع الكبير لنسبة الأمية بين الإناث كمؤشر على عدم تكافؤ الفرص، وعلى إتباع سياسات تمييز ضد الإناث، مما يتنافى مع قيم الأديان السماوية التي تؤمن بها شعوب الوطن العربي، كما يحد مرة ثانية ولو بشكل مصطنع من قدرته على مواكبة الاتجاهات العالمية نحو تمكين المرأة.
3 ـ المشكلات التي تعوق جهود محو الأمية في الوطن العربي يمكن مواجهتها والتغلب عليها، شرط التطلع الى حلول غير نمطية تعتمد في الأساس على تعديل الاتجاهات قبل الولوج الى اصطناع استراتيجيات جديدة أو اتباع استراتيجيات قائمة.
4 ـ لدى معظم البلاد العربية خبرات متراكمة يمكن حشدها وتوظيفها في محو الأمية في حدود ظروف وإمكانات كل بلد، ويبقى ضرورة التعاون الإقليمي.

مناقشة حول أفكار لحل المشكلة:
الفكرة الأولى: محو الأمية والإلزام
للوهلة الأولى، فإن اصطلاح (إلزام) يتناقض مع حقوق الإنسان ومع الديمقراطية، إلا أن التأني في التفكير يكشف لنا ابعاداً أخرى، فمنذ عهود قديمة تنص كثير من الدساتير على الإلزامية في التعليم الإبتدائي، بل إن بعض البلاد العربية أطلقت في حقبة ما على أولى مراحل التعليم اسم التعليم الإلزامي، ويفسر التربويون الإلزام بصيغ تختلف باختلاف المسند إليه، فولي أمر الطفل ملزم بتقديمه الى المدرسة حال بلوغه السن المحددة، والمجتمع ممثلاً بالأساس في السلطة التنفيذية ملزم بتوفير المكان الملائم وتجهيزه لانخراط الطفل في الدراسة، والمؤسسة التربوية المعنية مسؤولة عن توفير كل مدخلات العملية التعليمية (معلمون ـ مناهج ـ مواد تعليمية ـ طرق تدريس ـ وسائل تكنولوجيا التعليم.....)، والمدرسة نفسها ملزمة بتنفيذ مفردات العملية التعليمية، ويتم ذلك كله في ضوء أهداف السياسة التعليمية التي يحددها المجتمع من خلال تحديده لمواصفات المُخرج النهائي للتعليم وهو التلميذ المفرد، والمجتمع ككل.
فإذا انتقلنا الى محو الأمية تعالت الأصوات ترفض فكرة الإلزام باعتباره اعتداءً على الحرية الفردية، وهذه ذاتها مفارقة تتعارض مع حقوق الإنسان، فكيف نسوغ لأنفسنا إتاحة الفرصة للصغير ليتعلم ويستعد لخوض غمار الحياة، ونحرم الأمي صغيراً أو كبيراً من هذا الحق، ثم أين حق المواطنة، أي حق المجتمع في أن يضمن الحد الأدنى لمواصفات مواطنيه من أجل الحفاظ على النسيج الوطني.
إن حسم هذا الأمر سيساعد الى حد كبير في إعادة النظر في أساليب حشد الأميين للتعلم، وتعزيز استمرارهم في التعلم، كما سيسمح لنا بإعادة النظر في الحوافز الإيجابية والسلبية التي تنفذها برامج محو الأمية.

الفكرة الثانية: محو الأمية سلعة مطلوبة أم خدمة معروضة
إن أخطر معوقات جهود محو الأمية تتمثل أساساً في إحجام الأميين عن الالتحاق ببرامج محو الأمية، وفي تسربهم بعد الالتحاق بفترات زمنية تقصر أو تطور، وفي ارتدادهم الى الأمية إذا استكملوا المستوى الأول دون متابعة تصقل مهاراتهم وتساعدهم على توظيفها والاستفادة منها.
ومع التسليم بأن هذه المعوقات تؤدي الى إحداثها عوامل متداخلة، إلا أن العامل الأساسي ـ في رأيي ـ يعود الى أن جهود محو الأمية ما زالت تدور في إطار الخدمة المعروضة وفي كثير من الأحيان فإنه مهما غالت المجتمعات في تقديم الخدمة، فإن الجمهور المستهدف لا يتحرك للاستفادة منها بنفس الدرجة، ذلك لأنه من حيث الشكل، فإن من يدفع تكاليف الخدمة وهو المجتمع، ليس هو الذي يستفيد منها بشكل مباشر وهو الأمي، فهناك فصل ـ ولو شكلي ـ بين المستفيد والممول، ويؤدي هذا بالضرورة الى أن تكون الدولة هي المسؤولة عن محو الأمية إدارة وتمويلاً، وأن تكون مشاركة القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني هامشية او على الأقل غير كافية، وأخطر من ذلك أنه ما دامت الدولة هي التي تؤدي هذه الخدمة، فإنها هي التي تحدد مواصفاتها وليس الجماعات المستهدفة ذات المصلحة، ومن هنا يخبو الحماس والعزم على الانتفاع بها.
وفي ضوء ذلك فإن التحدي الحقيقي، يكمن في إمكانية تحويل برامج محو الأمية الى سلعة مطلوبة، يسعى الأمي الى الاستفادة منها، بل ويستعد أن يبذل في سبيل الحصول عليها جهداً ووقتاً ومالاً ـ إذا اقتضى الحال ـ وهنا ترتبط هذه الفكرة بالفكرة السابقة فإذا نجح المجتمع في أن يجعل محو الأمية إلزاماً، بحيث يدرك الأمي بيقين أنه لن ينجح في حياته كمواطن طالما ظل على أميته، فإنه سيبذل قصارى جهده للتخلص من هذه الوصمة، شريطة أن يدرك أنها كذلك.
ولا يتحقق ذلك بمجرد سن قوانين تلزم الأمي بضرورة التعلم وإعطائه مهلة لتحقيق ذلك، بل أهم من ذلك أن نصوغ مواصفات المجتمع، المعلم المتعلم، وهو المجتمع الذي يحتاج أداء أي عمل فيه الى التعلم، وتزداد فيه حصة المتعلم من المكاسب والخدمات عن حصة الأمي، وترتفع فيه القيمة الأدبية والمعنوية للمتعلم، وفي نفس الوقت تتاح فيه فرص التعليم للجميع دون تمييز وبكفاءة تدفع الأمي الى السعي للاستفادة بها لا التهرب منها وإهدارها.

الفكرة الثالثة: النظرة الموسعة الى الجمهور
من الشائع النظر الى أن المستفيدين من محو الأمية هم الأميون أنفسهم فقط، وعلى الرغم من أنهم بالفعل مستفيدون، إلا أن كل فئات المجتمع يستفيدون في نفس الوقت، وهكذا يضم جمهور محو الأمية كلاً من: الأميين (المنتفعين المباشرين)، والمدعمين والمتعاونين والمعارضين والرأي العام، وصانع القرار الناجح هو الذي يستطيع اتخاذ القرار الذي يتلاءم مع كل هؤلاء.
فإذا كان الأمي يتوقع أن يستفيد من البرنامج فتتحسن قدراته على تقرير مصيره، وتتسع أمامه مجالات الاختيار بين البدائل، ويصبح أكثر قدرة على تحقيق مستوى أفضل من العيش الكريم مادياً ومعنوياً فإن المدعمين والمتعاونين سيحققون العائد المستهدف من جهدهم الفكري والمادي، بينما ينعم، المعارضون بحقوق متكافئة في مختلف المجالات، ويتهيأ للرأي العام المناخ الملائم للنضج والرشد، ويكفي أنه سيتحرر من سطوة المنحرفين والفاسدين الذين يراهنون كثيراً على إحداث الاضطراب وإعاقة الاستنارة من خلال استثارة الأمية في عقول الأميين، كما سيتحرر في نفس الوقت من قدرة الأميين باعتبارهم قوة مؤثرة على فرض قيمهم واتجاهاتهم غير المقبولة اجتماعياً على المجتمع ككل، ولعل نماذج كثيرة من ذلك تتضح إذا دققنا في كثير مما تقدمه وسائل إعلامية على المجتمع ككل، ولعل نماذج كثيرة من ذلك تتضح إذا دققنا في كثير مما تقدمه وسائل إعلامية وخاصة التلفاز، وما تنتجه أجهزة ثقافية كالسينما، وأخطر من ذلك كله، أن الأميين في معظمهم يسهل انقيادهم، وهنا تكمن خطورة الانسلاخ عن الهوية في زمن السماوات المفتوحة.
والاعتماد على هذه النظرة الموسعة الى جمهور المستفيدين من محو الأمية، سيؤدي بالضرورة ليس فقط الى حث الجهود لإزالة هذه الوصمة، بل أكثر من ذلك الى خلق مناخ يحفز الجهود، جهود الجميع، ويوفر النفقات، ويرفع مستويات الإنجاز.

الفكرة الرابعة: الدارس الأمي مشاركاً
سبقت الإشارة الى ان الجماعات المستهدفة بشكل مباشر من برامج محو الأمية، وهم الأميون، لا يشاركون بأي قسط في تحديد مواصفات البرامج التي يُفترض أنها تُخطط وتُنفذ من أجلهم، علماً بأن الأميين وبخاصة الكبار منهم يحسون بالفجوة بين ما يعرفونه وبين ما يفرضه التغير السريع والمستمر من تجدد المعرفة والمهارات والممارسات، ويتطلب ذلك إتاحة كافة الفرص لتعليم الأميين، بحيث نوفر لهم كل ما يثير فكر الإنسان، وذلك أن البيئة الغنية بالمثير الفكري توفر للإنسان الوضع الذي يصون فيه قدراته الفكرية ويزيدها، إلا أن ذلك ينبغي أن يتم من خلال المشاركة الإيجابية للدارس، بحيث يشعر بأنه جزء من البرنامج، وليس مجرد هدف للبرنامج، وحتى يتحقق ذلك ينبغي مراعاة خصائص الدارسين الأميين عند بناء المواقف التعليمية، وذلك من خلال الحرص على ما يلي:
1 ـ أن تكون أهداف التعلم واضحة ومرتبطة بأهداف المتعلم.
2 ـ أن يرتبط التعلم بالتغيرات التي يستهدفها المُتعلم.
3 ـ مساعدة المُتعلم على إدراك حاجاته وإدراك العلاقة بينها وبين موضوع ومادة التعلم.
4 ـ أن تتعادل وتتزامن مع قوة مثيرات التعلم، حالة من الأمن والاطمئنان بأن المُتعلم قادر على بذل الجهد المطلوب.
5 ـ أن تتكافأ وتتزامن فرص الاعتماد على المعلم للاسترشاد وفرص تحقيق الذات.
6 ـ دعم شعور المتعلم بأن لديه ثروة من التجارب والخبرات التي يمكن أن تسهم في تعلمه.
7 ـ أن يشعر المتعلم بأن موقفه من التعلم موقف جديد فعلاً، وأنه خطط من أجله.
8 ـ أن تكون تجربة التعلم بحيث يكتسب فيها المتعلم قدراً من الرضا يحدث عنه بلوغه الهدف.
وغني عن البيان، أن جمهور الأميين تتعدد فئاته سواء من حيث العمر أو الجنس أو الحالة الاجتماعية أو الحالة الاقتصادية أو الدور الاجتماعي أو المركز..... الخ.
ويقتضي ذلك بالضرورة أن تتعدد المناج وطرق التدريس والنظم..... الخ، وهنا تأتي ضرورة تدريب العاملين وبالذات المشرفين والمعلمين لاكتساب المهارات اللازمة لتعديل المناهج والطرق وأساليب التعامل وفق احتياجات التعلم، وكذا وفق الخصائص المميزة للفئات المختلفة.

الفكرة الخامسة: المركزية واللامركزية في إدارة جهود محو الأمية:
من الأمور بالغة التأثير على جهود محو الأمية، تحديد نمط إدارتها وإعداد البنى التنظيمية القادرة على تطبيق هذا النمط، وبوجه عام فإن جهود محو المية في معظم بلدان الوطن العربي نفذت بشكل مركزي سواء بصورة صريحة أم مموهة، والقضة الجوهرية التي ينبغي التفكير فيها، هي تحقيق التوازن بين المركزية التي ترمي الى تحقيق الأهداف القومية، وتحافظ على تماسك ووحدة التنظيم، وبين اللامركزية التي تساعد على تحقيق أكثر الممارسات تلاؤوماً مع الظروف البيئية والإمكانات المادية والبشرية، كما تتيح الفرصة للنمو المهني للعاملين، وتشجع الإبداع والابتكار في التخطيط والتنفيذ والتقويم، وتستفيد من مناخ المنافسة بين المحافظات والقطاعات المختلفة. ويرتبط ذلك ارتباطاً عضوياً بالاستفادة من جهود المجتمع المدني في محو الأمية، بحيث نوسع دائرة المتعاملين مع المشكلة، ونهيىء المناخ الملائم للانتفاع بكافة الخبرات والصلاحيات والعلاقات، ونخفض الأعباء عن المؤسسات الرسمية المثقلة بالأعباء.
وينبغي الانتباه هنا، الى أن فتح مجال المشاركة أمام كافة الأطراف في أنشطة محو الأمية، يحتاج ـ لضمان فعالية هذه الجهود ـ الى خلية تقوم بتنسيق الأدوار وتوزيع الأعباء، بحيث تؤلف جميع الجهود تياراً نشطاً واحداً، وإن كان ذا روافد متعددة لتحقق الأهداف المحددة، بأقل تكلفة ممكنة وبأوسع مشاركة، ودون تعارض أو تشابك بين ممارسات هذه الأطراف جميعها.

0 komentar:

إرسال تعليق

Comment here

  © Blogger template The Professional Template II by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP