أرابيسك: أمريكا والثقافة العربية الإسلامية

الجمعة، 27 شوال، 1430 هـ

أرابيسك: أمريكا والثقافة العربية الإسلامية



على شاشة مستديرة على سقف القاعة كان العرض يبرز عظمة الحضارة العربية الإسلامية، وفي القاعات المجاورة كانت هناك مصنوعات شعبية وكتب وفنون تبرز مواهب الكتاب والفنانين العرب، وفي صالات المحاضرات كان عدد من الباحثين والكتاب العرب القادمين من أماكن مختلفة يشتركون في ندوات تناقش ظواهر الثقافة العربية المعاصرة وتبرز جوانب من نتاجهم ونتاج غيرهم.

تلك كانت الوجوه الرئيسة للتظاهرة الثقافية الكبرى التي أقامها مركز كيندي في العاصمة الأمريكية واشنطن على مدى شهر تقريبا تحت عنوان "ارابيسك" (الفن العربي). الأسماء المشاركة تجمع بعضاً من أهم الكتاب والباحثين العرب سواء منهم من يعيش في وطنه الأم أو كان مغترباً: محمد بنيس (المغرب)، جمال الغيطاني وصنع الله إبراهيم (مصر)، قاسم حداد (البحرين)، أهداف سويف (مصر/بريطانيا)، فريال غزول (العراق/مصر)، ضياء العزاوي (العراق/ألمانيا)، خالد المطوع (ليبيا/أمريكا). تلك فقط بعض الأسماء التي جاءت بدعوة من مركز كيندي للفنون والثقافة في واشنطن، وعلمت فيما بعد أن العدد الإجمالي للمدعوين، بما في ذلك أعضاء الفرق الموسيقية والفرق الأخرى، بلغ حوالي الثمانمئة مدعو.

كل هذا النشاط كان يجري أمام عدد لا بأس به من الجمهور الأمريكي الذي كان يعبر عن إعجابه بصمت حيناً ويتفاعل مع ما يرى أو يسمع بالتعليق أو السؤال حيناً آخر. عند مدخل المركز الضخم وضعت لوحة تحمل أسماء الجهات الداعمة للنشاط وكان أبرزها جهات عربية خليجية تحديداً. وحين تأملت الأسماء شعرت بالاستغراب والألم من ناحيتين: أولاً لأن الدول الرئيسة الداعمة وهي لا تتجاوز الثلاث دول لم يدع منها أحد ولم تمثل حتى على مستوى الفنون الشعبية والأزياء. فلم يأت أحد من الكويت مثلاً وهي إحدى الدول الداعمة مع أن الكويت تحفل بالأسماء وبالعطاء مما كان يمكن أن يشارك على مختلف المستويات. أما السبب الثاني للاستغراب فهو غياب الدعم السعودي بشكل خاص، وكذلك غياب الدعم الذي كان يمكن أن تقدمه دول جاء منها معظم المشاركين (مصر). ولم يكن صعباً توقع بعض الأسباب وراء ذلك كله، فالأمريكيون يطلبون الدعم ولكنهم يرفضون وضع الشروط على أنواع النشاط أو موضوعاته أو أسماء المشاركين، فقد أرادوا أن يقيموا نشاطاً يرضون عنه وقد لا ترضى عنه بالضرورة الجهات الداعمة لاسيما فيما يتعلق بنوع المشاركات. ومن هنا قدرتُ للجهات الداعمة موقفها حين لم تفرض شروطها إدراكاً منهاعلى ما يبدو – أن مكانة المركز وسمعته ستحولان دون إقامة نشاط متواضع أو مسيّس بشكل يسيء للجهات الداعمة.

تحيلني النقطة الأخيرة على مسألة أراها في غاية الأهمية. إن مركز كيندي والمراكز الثقافية الأمريكية الأخرى، مركز لينكولن في نيويورك مثلاً، تمثل أنموذجاً رفيعاً ينبغي أن تفيد منه مراكزنا الثقافية التي تنافس المراكز الأمريكية وقد تتفوق عليها في شيء واحد فقط: مستوى البناء وفخامته، أما نوع الأنشطة ومستواها وكيفية إدارتها وإنتاجها فمسألة أخرى. ذلك أن مركز كيندي الذي أقيم تخليداً لذكرى الرئيس جون كيندي يديره مجلس إدارة من ذوي الخبرة والاختصاص ويتمتع باستقلالية تامة في أنشطته، كما أنه قادر على تمويل أنشطته بنفسه من خلال مصادر دخل يمتلكها تتضمن أسعار الدخول للفعاليات إلى جانب المبيعات المختلفة فهناك جانب تجاري يشكل مصدراً مهماً. ومن الطريف أن النشاط التجاري المقام بمناسبة "أرابيسك" تم تحت اسم عربي هو "سوق" عرضت فيه مشغولات وسجاد ومنتجات مختلفة تمثل العالم العربي.

أين هذا من مركز الملك فهد الثقافي في الرياض مثلاً؟ فمع أن أي منصف لا يستطيع أن يتجاهل أن ذلك المركز صرح يبعث على الإعجاب من حيث هو يسهم في تحريك الحياة الثقافية بإمكاناته المتعددة، لكن واقع الأمر يقول إننا إزاء مؤسسة لا تحرك غيرها إلا عندما تحرك هي، أي أن المركز، على عكس ما يناظره في أمريكا أو أوروبا أو في دول أخرى كثيرة، ليس أكثر من مجموعة إمكانات معمارية وفنية تقضي وقتها في انتظار من يأتي ليقيم نشاطاً في أروقتها. ففي غياب مجلس إدارة متخصص ومؤهل وفي غياب صلاحيات إدارية ومالية سيظل هذا المركز معاقاً بالقياس إلى ما تفعله مراكز أخرى كثيرة في العالم.

أشير إلى مركز الملك فهد الثقافي في سياق هذا العرض لنشاط حضرته وأعجبت به في الغرب وتمنيت لو أن ذلك المركز وغيره من المراكز العربية تضطلع بقدرة على الفعل الثقافي يوازي ما نجد لدى الآخرين. لقد أعطانا الأمريكيون أنموذجاً مميزاً لنشاط أقيم على مستوى رفيع من الاختيار والتنظيم والأداء وعلى نحو عادت فائدته على أمتنا وتاريخنا الحضاري. كان نشاطاً يؤكد أن العمل الإيجابي ممكن حتى في بلد عرف بتحيزه السياسي لعدونا الإسرائيلي وبسياسات جرت الدمار لمناطق كثيرة من العالم. وهذه مسألة تغيب عن البعض ممن لا يستطيعون التمييز بين سياسات الحكومة الأمريكية وما يقوم به أفراد كثيرون وتقوم به جهات مختلفة داخل الولايات المتحدة ؛ فالمؤسسات الأمريكية، سواء تمثلت في مراكز ثقافية أم أكاديمية أم غير ذلك، تظل مهيأة دائماً للمشاركة في إنتاج أعمال تخدم الأمريكيين وغيرهم طالما كان الهدف هو الفكر أو الإبداع بمختلف صوره وطالما لقي ذلك اهتماماً من الجمهور. وفي فترة يعاني فيها العرب والمسلمون من تشويه وسائل إعلام ومؤسسات معينة، يفترض فينا أن ندعم توجهات مراكز مثل مركز كيندي لإبراز الصور المشرقة للعرب والمسلمين، وان نفيد من تجارب تلك المراكز أو المؤسسات في ما نقيمه نحن من أنشطة لا نقدم فيها أنفسنا لأنفسنا فحسب وإنما نقدم فيها الآخر أيضاً، أن نحتفي ببعض وجوه ثقافته مثلما احتفى ببعض وجوه ثقافتنا. لكن هذه الأخيرة مسألة مختلفة لها مكانها ووقتها من النقاش

http://www.alriyadh.com/2009/03/18/article416579.html


0 komentar:

إرسال تعليق

Comment here

  © Blogger template The Professional Template II by Ourblogtemplates.com 2009

Back to TOP